محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثني محمد بن موسى الحرسي ، قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال : كانت تصلي خلف رسول الله ( ص ) امرأة ، قال ابن عباس : لا والله ما إن رأيت مثلها قط ! فكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا وبعض يستأخرون ، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم ، فأنزل الله : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) ( 1 ) . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا نوح بن قيس ، وحدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مالك بن إسماعيل ، قال : ثنا نوح بن قيس ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : كانت تصلي خلف رسول الله ( ص ) امرأة حسناء من أحسن الناس ، فكان بعض الناس يستقدم في الصف الأول لئلا يراها ، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه في الصف ، فأنزل الله في شأنها : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) ( 2 ) . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال : معنى ذلك : ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته ، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حي ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد ، لدلالة ما قبله من الكلام ، وهو قوله : ( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ) وما بعده وهو قوله : ( وإن ربك هو يحشرهم ) على أن ذلك كذلك ، إذ كان بين هذين الخبرين ، ولم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه ، ولا جاء بعد . وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء والمستأخرين فيه لذلك ، ثم يكون الله عز وجل عم بالمعنى المراد منه جميع الخلق ، فقال جل ثناؤه لهم : قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم ، وما كانوا يعملون ، ومن هو حي منكم ومن هو حادث بعدكم أيها الناس ، وأعمال جميعكم خيرها وشرها ، وأحصينا جميع ذلك ونحن نحشر جميعهم ، فنجازي كلا بأعماله ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . فيكون ذلك تهديدا ووعيدا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء ولكل من تعدى